ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
53
الوشى المرقوم في حل المنظوم
العزيز . فأرسل العادل إلى العزيز يطلب منه القاضي الفاضل ، وكان الفاضل قد اعتزلهم ، وانقطع إلى داره . فأرسل إليه العزيز يسأله فامتنع ، فتضرع إليه وأقسم عليه ، فخرج إلى العادل فاحترمه العادل وأكرمه ، وتحدث معه بما قرره . وعاد الفاضل إلى العزيز وتحدث معه ، فأرسل العزيز ولديه الصغيرين مع خادم له برسالة ظاهرة مضمونها : لا تقاتلوا المسلمين . ولا تسفكوا دماءهم وقد أنفذت ولديّ يكونان تحت كفالة عمى العادل وأنا أنزل لكم عن البلاد وأمضى إلى الغرب . وكان ذلك بمشهد من الأمراء فرّق العادل وبكى من حضر . فقال العادل معاذ اللّه ، ما وصل الأمر إلى هذا الحد . . . ثم قال العادل للأفضل : المصلحة أن تمضى إلى أخيك وتصالحه . . . ففهم الأفضل أن العادل رجع عن يمينه ، وأنه اتفق مع العزيز على أخذ البلاد منه ، لكنه لم يمكنه الكلام ومضى إلى أخيه الملك العزيز واصطلحا وعاد إلى دمشق ، . . . وسلطان العادل العزيز ، ومشى بين يديه بالغاشية ، ولو أراد العادل مصر في هذه المرة لأخذها ، وإنما كان قصده الإصلاح بين الإخوة » « 1 » . ولابن الأثير رسالة كتبها في هذا الشأن صدّرها بقوله : « كتاب كتبه عن نفسه إلى الملك الأفضل علي بن يوسف ، وقد سار عن دمشق إلى مصر في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة . وكان أخوه الملك العزيز عثمان صاحب مصر قد قصده وحصره بدمشق ، ثم انهزم ، وعاد إلى مصر ، وخرج الملك الأفضل خلفه حتى وصل بلبيس فتطارح عليه ، وسأله في الصلح فصالحه ، وعاد إلى دمشق ، وصدّر هذا الكتاب إليه ، ولقيه في الطريق ، وهو عائد » « 2 » . ويبدو أن الأفضل قد رأى في هذه الجولة ما لم يكن قد راه من قبل في عمه العادل ، أو بالأحرى ما لم يكن يريد تصديقه . إذ وضع ثقته كاملة في عمه لكنه اكتشف أنها ثقة في غير موضعها . ويؤكد عماد الدين الأصفهاني الكاتب أن : « الأفضل لازم صيامه وقيامه وقلل شرابه وطعامه ، وحسن شعاره واستوى ليله ونهاره ، ووزيره الجزري قد بلي الناس
--> ( 1 ) السابق 6 / 124 . ( 2 ) نشرة المقدسي / 297 .